محمد نبي بن أحمد التويسركاني
49
لئالي الأخبار
جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ابدا ثم قال لي : يا سلمان ألا أريك الدنيا وما فيها ؟ قلت : بلى يا رسول اللّه : فاخذ بيدي والىّ إلى مزبلة من مزابل المدينة ، فإذا فيها خرق كثيرة ، وعظام وقذارات كثيرة ، فقال لي : يا سلمان هذه الدنيا وما فيها ، وعلى هذا يحرص الناس ، وهذه العذرات ألوان أطعمتهم الذين اكتسبوها من الحرام والحلال ثم قذفوها من بطونهم ، وهذه الخرق البالية كانت زينتهم ولباسهم ، فأصبحت الرياح تصفقها يمينا وشمالا ، وهذه العظام عظام دوابّهم وأنعامهم وأغنامهم التي كانوا يتشاجرون عليها ، وهذه الخزف أوانيهم التي يأكلون ويشربون فهذه الدنيا ، وهذه منتهاها ، فمن ركن إليها ندم ، ومن تجنّب عنها غنم . وقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : مر رسول اللّه بجدى أمسك ملقى على مزبلة ميتا ، فقال لأصحابه : كم يساوى هذا فقالوا : لعلّه لو كان حيّا لم يساو درهما ، فقال : والذي نفسي بيده الدنيا أهون على اللّه من هذا الجدى على أهله أقول : وإلى هذا يشير قوله تعالى : « وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً » ان يكونوا على دين واحد كفارا كلهم « لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ » وما في الكافي إنه قال عليه السلام : ما كان من ولد آدم مؤمنا الا فقيرا ، ولا كافرا إلا غنيا حتى جاء إبراهيم عليه السلام فقال « رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا » فصيّر اللّه في هؤلاء أموالا وحاجة ، وفي هؤلاء أموالا وحاجة . وقال صلى اللّه عليه واله يا علي ما أحد من الأولين والآخرين إلا وهو يتمنى يوم القيمة أنه لم يعط من الدنيا الا قوتا وقال : ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى . وقال صلى اللّه عليه واله : من أصبح معافى في جسده آمنا في سيرته وعنده قوت يومه ، فكأنما خيّرت له الدنيا ، يكفيك منها ما سدّ جوعتك ، ووارى عورتك ، فان يكن بيت يكنّك فذلك ، وإن يكن دابّة تركبها فبخ بخ ، والا فالخبز وماء الجرّة ، وما بعد ذلك حساب عليك أو عذاب ، وقال ثوبان : يا رسول اللّه ما يكفيني من الدنيا ؟ فقال صلى اللّه عليه واله ما سدّ جوعتك ، ووارى عورتك وان كان لك بيت فبخ بخ ، وأنت مسؤول عما بعد ذلك . وقال : تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم ، فإنه من كانت الدنيا همّته قسى قلبه ، وكان فقره بين عينيه ولم يعط من الدنيا غير نصيبه المكتوب له ، ومن كانت الآخرة